للوهلة الأولى، يبدو سؤال ما إذا كان حزب الله قد أخطأ في انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية مشروعاً، ولا سيما بعد التحولات السياسية التي شهدها لبنان لاحقاً، وما رافق عهد الرئيس عون من مواقف وسياسات تجاه المقاومة وسلاحها، منذ جلسة الحكومة الشهيرة وقرار حصرية السلاح بيد الدولة في 5 آب/أغسطس 2025، مروراً بما حصل بعد انطلاق عملية العصف المأكول، ووصولاً الى قرار السلطة اللبنانية برئاسة عون ببدء مفاوضات مباشرة مع الكيان المؤقت. لكن الإجابة الموضوعية عن هذا السؤال لا يمكن أن تنطلق من النتائج وحدها، أو من المواقف التي اتخذها الرئيس عون بعد وصوله إلى قصر بعبدا، بل ينبغي أن تعود إلى الظروف التي أحاطت بانتخابه، وإلى المعطيات التي كانت متوافرة أمام حزب الله في تلك اللحظة، والخيارات التي كانت متاحة له آنذاك.
فالحكم على القرارات والخطوات السياسية، ولا سيما في ظروف استثنائية ومصيرية كالتي كان يمر بها لبنان بعد انتهاء معركة "أولي البأس" أواخر العام 2024، والانتقال إلى مرحلة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، يجب أن يتم وفق قاعدة أساسية: لا يجوز تقييم قرار اتُّخذ في لحظة معينة بناءً على معلومات ونتائج ظهرت لاحقاً، وكأن صانع القرار كان يمتلك القدرة على معرفة المستقبل. ولذلك، فإن تحميل حزب الله مسؤولية انتخاب عون استناداً حصراً إلى ما آلت إليه الأمور لاحقاً، يتجاهل الظروف السياسية والأمنية التي أحاطت بالقرار، وكذلك الضمانات والتعهدات التي رافقته.
أولاً: انتخاب عون لم يكن قراراً حراً بالكامل
كان انتخاب العماد جوزاف عون في تلك المرحلة جزءاً من بيئة سياسية شديدة التعقيد، اتسمت بتداخل العامل الداخلي مع الضغط الخارجي المباشر. فالولايات المتحدة الأمريكية، عبر مبعوثها عاموس هوكشتاين، مارست ضغوطاً مكثفة لدفع القوى السياسية اللبنانية نحو انتخاب عون، إلى درجة أن ترشيحه جرى تقديمه عملياً باعتباره الخيار الوحيد القابل للمرور (بشكل يشبه ملحقاً لاتفاق وقف إطلاق النار)، في ظل استخدام أدوات الترهيب والترغيب لحشد الأصوات النيابية لمصلحته. وهذا ما عبّر عنه النائب نديم الجميل مؤخراً، حينما قال في إحدى مقابلاته "جوزاف عون إجا على الطيارات الإسرائيلية".
وبالتالي، لم يكن حزب الله أمام مشهد طبيعي تتنافس فيه مجموعة واسعة من المرشحين، ويختار الحزب بينهم وفق حساباته السياسية المجردة. بل كان أمام واقع فرض نفسه بقوة، عنوانه الأساسي أن هناك مرشحاً يحظى بدعم أمريكي وغربي وعربي واضح، وأن محاولة تعطيل وصوله سيُحمّل المقاومة مسؤولية استمرار الفراغ الرئاسي وتعطيل الدولة.
وهنا تصبح المسألة أكثر تعقيداً: هل كان المطلوب من حزب الله أن يدخل في مواجهة مفتوحة مع مسار دولي وإقليمي واسع، في مرحلة كانت المقاومة فيها خارجة للتو من حرب قاسية ووجودية، وتنتقل إلى مرحلة جديدة من تثبيت وقف إطلاق النار وإعادة ترتيب صفوفها، أم أن المطلوب كان التعاطي مع الأمر الواقع ومحاولة انتزاع الضمانات الممكنة منه؟
اختار الحزب الخيار الثاني.
ثانياً: الحزب لم ينتخب عون من دون ضمانات
النقطة الأكثر أهمية في تقييم قرار حزب الله هي أن انتخاب القائد السابق للجيش اللبناني العماد جوزاف عون لم يكن، وفق المعطيات التي كانت مطروحة آنذاك، تفويضاً مفتوحاً له، ولا تنازلاً مسبقاً عن سلاح المقاومة أو عن الخيارات الوطنية التي يتمسك بها الحزب.
فالساعات التي سبقت جلسة الانتخاب شهدت تواصلاً بين عون والمقاومة، وتمثّل ذلك في اجتماع تم عقده مع الحاج محمد رعد كممثل عن حزب الله والنائب علي حسن خليل كممثل عن حركة أمل، حيث قُدمت تعهدات تتعلق بالمرحلة المقبلة. وكان جوهر هذه التعهدات أن سلاح المقاومة لن يكون موضع استهداف أو معالجة بالإكراه خلال العهد، وأن أي نقاش حوله ينبغي أن يتم من خلال حوار وطني داخلي يتناول استراتيجية الدفاع الوطني، بعيداً عن فرض الإملاءات الخارجية.
كما ارتبط ذلك بتعهدات تتصل بالسيادة اللبنانية والحقوق الوطنية، وعدم التنازل عن حقوق لبنان في مواجهة الضغوط الخارجية.
وهذه التعهدات كانت ذات أهمية خاصة بالنسبة إلى حزب الله، لأنها وفّرت، من وجهة نظره، أساساً للتعامل مع الرئيس المنتخب باعتباره رئيساً يمكن أن يشكل مساحة تفاهم وطنية، لا رئيساً يأتي إلى السلطة لتنفيذ أجندة تستهدف المقاومة مباشرة.
وبالتالي، فإن القول إن الحزب "سلّم سلاحه" أو "أخطأ" عندما وافق على انتخاب عون، أو أنه لم يكن يدرك المخاطر التي يمكن أن يحملها انتخابه، يتجاهل أن القرار اتُّخذ في ضوء تعهدات سياسية محددة، وفي ضوء تصور بأن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة إعادة بناء للدولة وليس مرحلة مواجهة داخلية حول سلاح المقاومة.
ثالثاً: تجربة عون في قيادة الجيش كانت عاملاً أساسياً في القرار
هناك عامل آخر لا يمكن تجاهله عند قراءة موقف حزب الله، وهو تجربة جوزاف عون خلال قيادته للجيش اللبناني. فعلاقة قيادة الجيش بالمقاومة خلال تلك الفترة لم تكن علاقة صدام أو مواجهة مفتوحة، بل اتسمت بدرجة كبيرة من التعاون والتنسيق، خصوصاً في الملفات المرتبطة بحماية لبنان ومواجهة المخاطر الأمنية والإرهابية. ولذلك لم يكن عون بالنسبة إلى حزب الله شخصية مجهولة تماماً أو شخصية ذات سجل عدائي تجاه المقاومة.
بل على العكس، كانت تجربته في قيادة الجيش تمثل، بالنسبة إلى الحزب، عامل اطمئنان واقعياً لا يمكن تجاهله عند اتخاذ قرار سياسي مصيري يتعلق برئاسة الجمهورية.
ومن الطبيعي أن يأخذ أي طرف سياسي في الاعتبار السجل السابق للشخصية التي يتعامل معها، وليس فقط مواقفها المستقبلية المحتملة. وإذا كان عون قد حافظ خلال فترة قيادته للجيش على علاقة تعاون مميزة مع المقاومة، فإن افتراض استمرار هذه المقاربة في موقع رئاسة الجمهورية لم يكن افتراضاً عبثياً أو بلا أساس.
رابعاً: ماذا كان يريد الحزب من انتخاب عون؟
الهدف الأساسي من قرار حزب الله مطلع العام 2025، لم يكن منح الرئيس عون شيكاً على بياض، بل منع تحول الاستحقاق الرئاسي إلى مدخل جديد للصراع الداخلي.
كان لبنان في أعقاب العدوان الإسرائيلي يحتاج إلى إعادة بناء المؤسسات، ومعالجة التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للحرب، وإعادة إعمار المناطق المتضررة، وتثبيت الاستقرار الداخلي، ومنع تحويل الانقسام السياسي إلى انقسام أهلي. وفي هذا السياق، جرى تقديم عهد عون على أنه يمكن أن يكون عهد إصلاح وإعادة بناء للدولة، وعهد استعادة للمؤسسات، وعهد شراكة وطنية تتسع لمختلف المكونات اللبنانية.
ومن هنا، فإن موافقة حزب الله على انتخابه يمكن فهمها بوصفها محاولة لتوفير فرصة لهذا المسار، لا بوصفها اقتناعاً مسبقاً بكل خيارات الرئيس أو بكل توجهاته المستقبلية.
كان الحزب، في تلك اللحظة، أمام خيارين: إما التعامل مع الواقع السياسي الجديد ومحاولة التأثير فيه من الداخل، وإما رفضه بالكامل، بما قد يؤدي إلى تحميله مسؤولية استمرار الفراغ والانقسام وتعطيل إعادة بناء الدولة، أو أقلّه عرقلة مرحلة تعافي ما بعد الحرب على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي خاصة بالنسبة لمجتمع المقاومة. فاختار الحزب عندها عدم عرقلة المسار، انطلاقاً من حسابات سياسية ووطنية مرتبطة بظروف تلك المرحلة.
خامساً: المشكلة ليست في القرار بقدر ما هي في الانقلاب على التفاهمات
إذا كان هناك ما يمكن مساءلة الرئيس عون بشأنه، فهو ما جرى لاحقاً من ابتعاده عن التفاهمات التي رافقت وصوله إلى الرئاسة. فالتقييم العادل يقتضي التمييز بين قرار الحزب في لحظة الانتخاب وبين السياسات التي اتُّبعت بعد الانتخاب. فإذا كانت التفاهمات التي سبقت انتخاب عون قد قامت على أساس عدم التعرض لسلاح المقاومة خارج إطار الحوار الوطني، وعلى أساس حماية حقوق لبنان وسيادته، وعلى أساس قيام عهد جامع لا يستهدف مكوناً لبنانياً بعينه، فإن أي تحول لاحق نحو مقاربة مختلفة لا يمكن أن يُعاد تحميل مسؤوليته للحزب، وكأن الحزب كان يعلم مسبقاً أن هذه التفاهمات لن تُحترم.
فالسياسة ليست علماً تنبؤياً، والضمانات السياسية لها قيمة عندما تُعطى من أصحاب القرار أنفسهم، ولا يمكن مطالبة طرف سياسي بأن يتعامل مع كل تعهد باعتباره كاذباً مسبقاً، وإلا أصبح الحوار السياسي نفسه بلا معنى.
وعليه، لا يجوز لأي أحد القول إن حزب الله أخطأ بمجرد أنه انتخب جوزاف عون رئيساً للجمهورية. فقد يختلف البعض مع تقدير الحزب السياسي، وقد يرى أن عليه أن يكون أكثر تشدداً في القضايا الداخلية، لكن تحويل اختلاف التقدير إلى تحميل الحزب مسؤولية النتائج اللاحقة يتجاهل السياق الذي اتُّخذ فيه القرار.
لقد جاء انتخاب عون في مرحلة استثنائية، بعد حرب قاسية، وفي ظل اتفاق وقف إطلاق نار، وضغوط أمريكية مكثفة، ومسار دولي سعى إلى فرض مرشح محدد، وفي ظل حاجة لبنانية ملحة إلى إنهاء الفراغ وإعادة إطلاق مؤسسات الدولة. وفي المقابل، كان هناك سجل سابق لعون كقائد للجيش، اتسم بالتعاون مع المقاومة، فضلاً عن تعهدات سياسية سبقت انتخابه ووفرت للحزب أساساً واقعياً للاطمئنان إلى المرحلة المقبلة.
لذلك، فإن المسؤولية السياسية ينبغي أن تُنسب إلى أصحاب الأفعال والقرارات التي اتُّخذت فعلاً، لا إلى من اتخذ قراراً سابقاً بناءً على معطيات وتعهدات ثم تغيرت الظروف أو تبدلت المواقف. والأهم أن تقييم قرار انتخاب الرئيس جوزاف عون يجب ألا يتم بمنطق: "ماذا حدث بعد ذلك؟" فقط، بل بمنطق: "ماذا كان يعرف حزب الله عندما اتخذ القرار؟ وما الخيارات التي كانت متاحة أمامه؟ وما الضمانات التي حصل عليها؟". وعندما تُطرح الأسئلة بهذه الطريقة، سيعرف السائل في قرارة نفسه، أن قرار المقاومة في جوهره، محاولة للتعامل مع واقع سياسي فُرض إلى حد كبير من الخارج، مع السعي إلى حماية المقاومة ولبنان عبر التفاهم والحوار، وفتح الطريق أمام مرحلة قيل إنها ستكون مرحلة إصلاح وإعادة بناء وإعمار وشراكة وطنية. أما ما جرى لاحقاً من انقلاب على تلك التفاهمات، فإن المسؤولية عن ذلك تقع على من غيّر موقفه ونكث بوعوده وعهوده والتزم بخيار مختلف، وليس على من بنى قراره في حينه على أساس التفاهمات والضمانات التي قُدمت له لمصلحة لبنان والمقاومة.