بعد سنوات من المفاوضات المتعثرة، تعود أزمة سد النهضة إلى الواجهة من بوابة أوروبية هذه المرة، مع إعلان إيطاليا استعدادها لتيسير الحوار بين مصر وإثيوبيا، في خطوة تأتي بينما لا تزال الخلافات قائمة حول قواعد ملء وتشغيل السد وإدارة مياه النيل. وأكد وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني أن بلاده مستعدة للمساعدة إذا رغبت القاهرة وأديس أبابا في ذلك، مستندةً إلى علاقات روما الجيدة مع الطرفين، ولا سيما إثيوبيا.
القاهرة تنظر إلى الملف باعتباره قضية تتجاوز الخلاف السياسي إلى الأمن المائي، وتؤكد أن أي ترتيبات تتعلق بمياه النيل يجب أن تقوم على التوافق والالتزام بالقانون الدولي، وترفض الإجراءات الأحادية في إدارة النهر. وفي المقابل، تتمسك أديس أبابا بحقها في استغلال مواردها المائية لتوليد الكهرباء والتنمية، بينما تحول سد النهضة تدريجيًا من مشروع لتوليد الطاقة إلى محور لخلاف إقليمي أوسع حول مستقبل إدارة مياه النيل.
وتزداد حساسية المشهد مع انتقال السد إلى مرحلة التشغيل، بالتزامن مع الحديث الإثيوبي عن مشاريع سدود إضافية على النيل الأزرق، وهو ما يثير في القاهرة مخاوف من نشوء واقع مائي جديد يصعب تغييره مستقبلًا، ويجعل القضية بالنسبة لمصر أكبر من حدود سد واحد، لتتعلق بمن يمتلك القدرة على التأثير في تدفقات النيل وكيفية إدارتها خلال فترات الجفاف والسنوات المائية المختلفة.
أزمة سد النهضة
يقول أستاذ العلوم السياسية الدكتور حسام فاروق، حول عودة الأزمة إلى الواجهة مجددًا: "في الحقيقة، إن أزمة السد الإثيوبي لم تختفِ حتى نقول إنها عادت، فالأزمة قائمة طالما لم تُحل، لكنها مصحوبة من وقت لآخر بعناوين تعيدها للصدارة، منها مثلًا تصريحات رسمية لوزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا قبل أسابيع بشأن خطط بناء سدود جديدة والتحكم الكامل في تدفقات مياه النيل الأزرق. ومصر رفضت هذه التصريحات شكلًا ومضمونًا، واعتبرتها تصعيدًا، لكونها صادرة عن مسؤول إثيوبي، وجددت القاهرة التأكيد على رفض أي سيطرة أحادية على النهر واعتبار أمن مصر المائي خطًا أحمر".
ويضيف: "واهمٌ من يتصور أن مصر ستفرط في نقطة مياه واحدة من حقها، الذي تحدده المعاهدات والمواثيق الخاصة في هذا الشأن منذ قديم الأزل. الأزمة الآن انتقلت بالفعل من مجرد نزاع فني وقانوني حول 《حق البناء والملء》 إلى صراع استراتيجي أعمق حول التحكم المطلق والهيمنة على إدارة مجرى النهر".
ويتابع: "وعلى طريقة اختبار صبر القاهرة، تواصل أديس أبابا التصريحات المستفزة بشأن السيطرة على المجرى المائي، كإعلانها مثلًا أن تدفقات المياه نحو دول المصب أصبحت تخضع لخططها وسيادتها المنفردة، وحديثها عن مشاريع سدود جديدة على النيل الأزرق بالمخالفة لمبدأ عدم الإضرار. كل هذا يكشف عن توجه إثيوبي عدائي تجاه دول المصب، يحول السد إلى أداة تحكم سيادي استراتيجي، وهذا فيه جور بيّن على حق مصر والسودان"، مردفًا: "ما هو معلن أن مصر جاهزة لكافة السيناريوهات لحماية شريان الحياة، وكلمة «كل» تعني كل شيء، بالتوازي مع تحركات دبلوماسية إقليمية ودولية، مثل مساعي الوساطة المطروحة عبر وزارة الخارجية الإيطالية لاحتواء التصعيد الجاري".
الوساطة الإيطالية
فيما يخص الوساطة الإيطالية، يقول الدكتور حسام فاروق، وهو أيضًا مدير تحرير جريدة الجمهورية: "مصر منفتحة على كل الجهود، وتتعاون مع أي طرف بإمكانه الضغط على إثيوبيا لتجنب صراع أوسع حال مضت قدمًا في مخططها على نهر النيل".
ويردف: "قد تمتلك إيطاليا أوراق قوة وضغوطًا تفتقر إليها أطراف الوساطة السابقة، مستندة إلى إرث تاريخي واقتصادي متين يربطها بإثيوبيا، لا سيما عبر مشروع السد نفسه، كالارتباط الفني المباشر بالسد. مجموعة «وي بيلد»، الشركة المنفذة، وهي شركة WeBuild الإيطالية، المعروفة سابقًا باسم «ساليني إمبريجيلو»، هي المقاول الرئيسي والمنفذ الفعلي لبناء السد الإثيوبي، ويمنح هذا الارتباط روما فهمًا هندسيًا وتقنيًا دقيقًا لتفاصيل السد، والقدرة على تقديم حلول وحلول وسط فنية وعملية، مثل آليات التفريغ ومعدلات التدفق في سنوات الجفاف، وهي تفاصيل قد لا تدركها أي وساطة سياسية أخرى بذات العمق".
ويزيد: "وقد تقدم روما حزمًا استثمارية ضخمة لأديس أبابا في مجالات الطاقة المتجددة البديلة والزراعة، مما يجعلها تتراجع عن أفكارها غير القانونية للتحكم الكامل في مياه النيل لغرض التنمية، وهو أمر عجزت عنه الوساطات الإفريقية السابقة".
ويمضي فاروق في القول: "كما أن العلاقات المصرية الإيطالية تشهد طفرة اقتصادية وتنسيقًا عالي المستوى، وبينهما تعاون في ممرات الطاقة والغاز والربط مع أوروبا. هذه الثقة المتنامية تجعل القاهرة تنظر إلى روما كوسيط "أوروبي متزن" يحترم قواعد القانون الدولي ومبدأ "عدم الإضرار".
ويستطرد: "وفي الأخير، مصر، كما قلت، مستعدة لكل السيناريوهات، بما فيها السيناريو الذي يفرض نفسه حال تقطعت كل السبل الدبلوماسية ومضت إثيوبيا في خرق القانون الدولي والاعتداء على حقوق دول المصب في المياه، فمصر أعلنتها: مياه النيل خط أحمر"، مضيفًا: "ولمصر سوابق مشهودة في إعلان الخطوط الحمراء".
وبينما تحاول روما فتح نافذة جديدة للحوار، تبدو أزمة سد النهضة أمام اختبار حاسم؛ فنجاح الوساطة الإيطالية لن يتوقف فقط على قدرة القاهرة وأديس أبابا على العودة إلى طاولة التفاوض، بل على إمكانية التوصل إلى قواعد واضحة وملزمة لإدارة المياه، خصوصًا في سنوات الجفاف. وبين تمسك مصر بأمنها المائي ورفضها أي إجراءات أحادية، وإصرار إثيوبيا على حقها في استغلال مواردها المائية، يبقى النيل أمام معادلة دقيقة: إما أن تنجح الدبلوماسية في احتواء الخلاف، أو أن تتجه الأزمة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا في واحدة من أكثر مناطق أفريقيا حساسية.